عمر فروخ
179
تاريخ الأدب العربي
وحشة ، فغادر النابغة الحيرة متوجها إلى جلّق ( حوران ) ليمدح الغساسنة ، ثم توفّي عمرو بن هند ( 53 ق . ه . - 569 م ) فعاد النابغة إلى الحيرة واتّصل بالنعمان أبي قابوس فمدحه وحظي عنده ونال من عطاياه شيئا كثيرا . ثم اتّفق أن غضب النعمان أبو قابوس أيضا على النابغة : قيل إن النابغة وصف المتجرّدة زوجة أبي قابوس ، وقيل بل اتّصل بأبي قابوس أن النابغة هجاه ، وقيل بل كان ذلك كلّه وشاية . وخاف النابغة فهرب من الحيرة إلى بلاط الغساسنة وانقطع إلى عمرو بن الحارث وأخيه النعمان يمدحهما ، فزاد ذلك في غضب أبي قابوس وأرسل إليه يعاتبه بقوله : « إنّك صرت إلى قوم قتلوا جدّي فأقمت فيهم تمدحهم ! » ثم إنّ نفس النابغة نازعته إلى عطايا النعمان أبي قابوس فأخذ بمدحه والاعتذار اليه . ولكن النعمان لم يرض عنه . وتوفّي النابغة في سنة 18 ق . ه . ( 604 م ) ، قبل النعمان أبي قابوس بثلاث سنوات ، وكان قد أسنّ جدا . 2 - النابغة شاعر حضري لأنّه عاش أكثر حياته في بلاط المناذرة وبلاط الغساسنة ، من أجل ذلك تجد في شعره رقّة الحضارة من فصاحة في اللفظ وعذوبة وسهولة في التركيب ، بالإضافة إلى شعراء البادية كامرئ القيس وطرفة . واحتج من قدّم النابغة على غيره من شعراء الجاهلية بأنه كان أوضحهم معنى ، وأبعدهم غاية ( أي أنه يتطلب معاني جديدة بعيدة عن تلك التي ألفها الشعراء » كثير الفائدة ( أي انه كثير المعاني في قليل من التراكيب ) . وزاد ابن رشيق فقال ( 1 : 81 - 82 ) : « كان أحسنهم ديباجة شعر ، وأكثرهم رونق كلام ، وأذهبهم في فنون الشعر ، وأكثرهم طويلة جيدة ( أي ان قصائده الطوال جياد ) وأحسنهم مدحا وهجاء وفخرا وصفة ( وصفا ) . . وكان زهير والنابغة من عبيد الشعر ، . . . يتكلّفان إصلاحه ويشغلان به حواسّهما وخواطرهما . . . بالتنقيح والتثقيف » . واشتهر النابغة بالمديح والاعتذار ، وهما فنّان حضريان . ولقد تكسّب بالشعر وألحف في التكسّب حتى سقط في عيون معاصريه وفي عيون النقّاد . وكذلك أذل نفسه في اعتذاره للنعمان ، ولكنه خلق في الشعر العربي فنّا جديدا .